السيد كمال الحيدري
143
دروس في التوحيد
بغيره . واستدلّ أصحاب هذا الاتّجاه بأنّ العلم إمّا إضافة متقوّمة بطرفين وهما العالم والمعلوم ، ولا معنى للإضافة بين الشيء ونفسه ، وإمّا أنّ العلم هو علمٌ حصوليّ ، أي تحصل صورة أخرى مساوية لذاته تعالى في ذاته - لأنّ العلم الحصولي هو صورة من المعلوم وليس عين العالم - وهو محال ؛ للزومه تعدّد الواجب وهما : الواجب تعالى ، والصورة المساوية للذات . وإذا تبيّن أنّ الواجب لا يعلم بذاته ، يثبت أنّه لا يعلم بغيره بطريق أولى ؛ لأنّ علم الشيء بغيره ، بعد علمه بذاته . قال صدر المتألّهين : " ولأجل ما ذكرناه من الصعوبة والإشكال أنكر بعض الأقدمين من الفلاسفة علمه تعالى بشيء من الموجودات غير ذاته وصفاته التي هي عين ذاته ، كما أنّ منهم مَن نفى علمه بشيء أصلًا ، بناءً على أنّ العلم عندهم إضافة بين العالم والمعلوم ، ولا إضافة بين الشيء ونفسه ، أو صورة زائدة على ذات المعلوم مساوية له ، فيلزم تعدّد الواجب ، وإذا لم يعلم ذاته لم يعلم غيره ؛ إذ علم الشيء بغيره ، بعد علمه بذاته . فقد ضلّوا ضلالًا بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً " « 1 » . وقال الفخر الرازي : " احتجّ مَن أنكر كونه تعالى عالماً بذاته ، بأمرين : الأوّل : قد ثبت أنّ التعقّل عبارة عن حضور ماهيّة المعقول عند العاقل . فلو كان الباري تعالى عالماً بذاته لكان تعقّله لذاته إمّا نفس حضور ذاته أو صورة أخرى مساوية لذاته ، والقسمان باطلان ؛ لوجهين : أمّا أوّلًا : فلأنّ التعقّل حالة إضافيّة لا يمكن تقرّرها إلّا بين اثنين . وأمّا ثانياً : فلأنّ تعقّله لذاته لو كان نفس ذاته لكان العالم بذاته عالماً بكونه
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 6 ص 179 .